Yahoo!

حوار مع الفائز بجائزة الشيخ زايد للترجمة 2008

كتبهايحيى القيسي ، في 3 نيسان 2008 الساعة: 07:28 ص

 الشاعر الأردني د. فايز صياغ :معظم الأعمال المترجمة إلى العربية تعاني من القرصنة المشوهة وركاكة اللغة

120720

  برز أول الأمر شاعرا له إسهاماته المتميزة برفقة جيل الستينيات في الأردن، ثم ما لبث أن هجر الشعر متحولا إلى  الدراسة الأكاديمية والعمل البحثي حيث تخرج أولا في الجامعة الأميركية ببيروت في تخصص علم الاجتماع، وأكمل في جامعة تورنتو بكندا لدرجة الماجستير في علم الاجتماع الصناعي، والدكتوراه في علم الاجتماع الاقتصادي، وهو باحث أول في مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية منذ 1999. وقد ساهم في تأليف وتحرير عدد من الدراسات بالعربية والانجليزية في شؤون التنمية والاقتصاد والاجتماع، ومن مؤلفاته المنشورة باللغة العربية " حكايات شعبية من الخليج 1989" و" أصوات بالقصة القصيرة البحرينية " 1989، و" الحب مثلا وقصائد أخرى – شعر 1988"،  كلمات على الرمل - شعر 1975 "، إضافة إلى عشرات الكتب المشتركة والبحثية، أما في مجال الترجمات من الانجليزية إلى العربية فقد أنجز " عصر الثورة – أوروبا 1789-1848" للمؤرخ اريك هوبزباوم 2006 وترجم أولا للمؤلف نفسه،  عصر رأس المال 1848-1914،  " عصر الإمبراطورية 1875-1914 " تأليف أنتوني غدنز، " بيكاسو : نجاحه وإخفاقه " من تأليف جون بيرجير  (1979) .

والرجل يتميز بقدرته الاحترافية على الجمع بين اللغتين العربية والانجليزية وتمكنه من العمل الدؤوب لترجمة مختارات من ابرز الكتب، ضمن أمانة نقلية عالية القيمة،  بعيدا عن قرصنة المترجمين الآخرين واستخفافهم بحقوق الكتاب المترجم لهم، ولكل هذا الجهد فقد فاز مؤخرا بجائزة الشيخ زايد للترجمة عن كتاب " علم الاجتماع " لأنتوني غدنز،  وهي ارفع جائزة عربية في الترجمة، وارفع جائزة أدبية ينالها أيضا كاتب أردني.  هنا حوار مع الصياغ حول تجربته الشعرية وقضايا الترجمة وهواجسها :

 لنبدأ من الكتاب الذي ترجمته وفاز بالجائزة، كيف اخترته في الأساس، وما هي قيمته العلمية ؟

 علاقتي بالكتاب لها قصة إذ بدأت دراستي الجامعية في الأدب العربي في الجامعة الأميركية، ثم تحولت إلى الأدب الانجليزي، وكنت آنذاك شاعرا معروفا، ولكني فيما بعد تحولت في دراساتي العليا إلى علم الاجتماع الصناعي والاقتصادي. وقد درست أثناء ذلك مؤلفات أنتوني غيدنز عالم الاجتماع البريطاني المعروف، وقمت لاحقا بتدريسه في جامعة تورنتو بكندا. وإزاء ما لمحته من تشويه للفكرة الأجنبية المنقولة إلى العربية عن طريق القرصنة والاختلاس، وأيضا ما وجدته من ضحالة في كتب العلوم الاجتماعية والإنسانية عموما في الجامعات العربية، إضافة إلى نزعة التلقين والابتعاد عن الاستقصاء والبحث،  رأيت أن أول ما يمكن ترجمته هو كتاب " علم الاجتماع " الصادر في طبعته الأخيرة عام 2002 من خلال "مؤسسة ترجمان" في عمان، و"المنظمة العربية للترجمة" في بيروت. أما عن قيمة الكتاب فهو يشكل مرجعا محوريا ومعلميا للعلوم الاجتماعية في مجالاتها النظرية والتطبيقية، سواء كان ذلك للأكاديميين  آو الباحثين آو الطلبة على حد سواء .

واسمح لي هنا بأن استشهد بفقرات مما كتبه الناقد إبراهيم العريس في مجلة "وجهات نظر" المعروفة عن أهمية الكتاب وترجمته:

 " إن غِدنْزْ  يهيمن تماماً في الفكر لأنجلو- ساكسوني على حيّز العلوم الاجتماعية، من دون أن يسمى لنفسه حزباً أو تياراً. فهو، بعد كل شيء، من نمط أولئك المفكرين الذين يؤمنون بنجاعة الفكر حين ينتج أفكاره، تاركاً للآخرين تنفيذها أو استلهامها". كما أن ترجمة هذا الكتاب إلى العربية "شكلت فرصة طيبة للتعرف عن قرب وبالتفصيل على أفكار هذا الباحث الاقتصادي-الاجتماعي المميَّز الذي يعرف كيف يأخذ من أبرز أسلافه المفكرين أفضل ما عندهم ليصوغه نظرة إلى العالم تكاد تشمل كل شيء..،  أما ما يجعل من "علم الاجتماع" عملاً استثنائياً في طبعته العربية: فهو اشتغال مترجمه وواضع مقدمته النقدية  الدكتور فايز الصُيّاغ، بشكل لم يسبق له مثيل في الإصدارات العربية. وحتى من دون أن نتوقف طويلاً عند دقة الترجمة وقوة العربية التي استخدمت فيها، نلفت إلى الإضافات المدهشة التي أضافها المترجم " .

 وماذا عن الصعوبات آو التحديات التي واجهتها أثناء الترجمة من ناحية لغة الكتاب ومادته وأيضا حجمه ؟

ما لدي من خبرات معرفية في الترجمة والأدب وعلم الاجتماع بالإضافة إلى عملي خبير تنمية في الأمم المتحدة،  جعلني أواجه حتى في المؤلفات في العربية للعلوم الاجتماعية الافتقار إلى العلماء الاجتماعيين العرب، ولا سيما في المؤلفات التي ينسبونها إلى أنفسهم.

في ترجمة هذا الكتاب تصديت إلى إشكاليتين في عملية النقل والتعريب، فبعد الاستئذان من الناشر والمؤلف الذي كتب مقدمة خاصة للطبعة العربية، أدخلت عددا كبيرا من الإسهامات العربية في العلوم الاجتماعية حول كل موضوع عالجه الكتاب في أطر مميزة، مثلا دور ابن خلدون، وتعريف العولمة ومقتطفات مما كتبه ادوارد سعيد وحليم بركات والطاهر لبيب وبرهان غليون وسعد الدين إبراهيم وغيرهم .

وأي, H] أدرجت أيضا في نهاية كل فصل من هذه الفصول مجموعة من الأسئلة التي تحث الطالب والباحث العربي على المزيد من الاستقصاء لقضايا وثيمات اجتماعية تخص المجتمعات العربية، وقد أرفقت أيضا بالكتاب نحو 35 صفحة من تعريفات المفاهيم والمصطلحات السائدة في العلوم الاجتماعية المعاصرة .

بالنسبة للغة الكتاب الأصلية، فقد كانت قريبة مني، وفي المتناول لخبراتي المعمقة في اللغتين العربية والانجليزية، وخبراتي العملية أيضا، وبالنسبة لحجم الكتاب فقد كان ضخما؛ إذ يربو على 700 صفحة، وقد استغرق مني نحو 4 أشهر، علما بأنني غير متفرغ للترجمة فقط .

 بالمناسبة كيف تلقيت الفوز بالجائزة وماذا تعني لك ؟

إن هذا التكريم إنما هو وسام على صدور المثقفين والمفكرين والمبدعين في الأردن وأرجاء الوطن العربي، وحافز ودعوة إلى الإقبال على الكتاب، موضوعا ومترجما، والانفتاح والاستقصاء النقدي وارتياد آفاق العلم والمعرفة على شتى المستويات. ومشروع جائزة الشيخ زايد للكتاب يمثل رافدا أساسيا يتضافر مع مبادرات وتيارات رائدة أخرى ليصب في حركة تنويرية مستنيرة للنهوض العربي ومواجهة تحديات المستقبل، وليكون نافذة مشرعة لتعزيز الحوار الحضاري وإثراء التفاعل الثقافي مع العالم الحافل بالتغيرات والمستجدات من حولنا .

 لماذا لم تنشغل أيضا بترجمة الأدب العالمي بما انك شاعر متمكن من اللغة الأدبية وتتقن الانجليزية بشكل احترافي ؟

 في الحقيقة فإنني اعتز بأنني كنت من أوائل مترجمي الشعر حتى قبل أن تبرز مجلة شعر في بيروت وحتى في مجلة "الأفق الجديد"  في الستينيات. وأنا أول من ترجم عن الانجليزية لشعراء مثل إليوت، لوركا، نيرودا، إيفتشينكو. ولقد ترجمت أيضا مجموعة من الكتب ذات الطابع الثقافي مثل : "بيكاسو: نجاحه وإخفاقه" للناقد المعروف جون بيرجر، و"حكايات شعبية من الخليج العربي"،  لكني فيما بعد تحولت إلى العلوم الاجتماعية.

 

هل هناك حركة نقد للترجمة من الانجليزية إلى العربية أو مراقبة أم أن الأمر متروك لمن هب ودب؟

 

باستثناء الكتب الصادرة عن قلة قليلة من المؤسسات العربية من جملتها "المجلس الأعلى للعلوم والثقافة في الكويت " و" المجلس الأعلى للثقافة والفنون في مصر"، و " المنظمة العربية للترجمة " في بيروت،  و" ترجمان " في الأردن، فإن الوضع يتسم بالنزعة التجارية والارتجالية المقرصنة، ولا توجد أمانة أخلاقية آو فكرية، وهي مطلوبة في هذه الحالات.

لا ريب في أن الترجمة، من العربية وإليها، شأنها شأن الكثير من جوانب الثقافة العربية المعاصرة، تعاني أزمة متعددة الجوانب. ويصدق ذلك على مضمون الترجمات، مثلما يصدق على المستوى الحِرَفي والفني للنقل.

 ذلك أن محتوى الأعمال المترجمة يتراوح، في أغلب الأحيان، بين نقل الكتب "الشعبية" الرائجة المتصلة بالترفيه العابر والشؤون الحياتية اليومية، وصولا إلى المؤلفات البحثية والعلمية والأكاديمية الوقورة. وإنا لواجدون، في كلتا الحالتين، مزيجا من الترجمات الأمينة المتميزة والملتزمة بأصول النقل، وهي قلة قليلة، ومن الأعمال المُقَرْصَنة المشوَّهة التي تُصادر فيها الحقوق الأدبية والفكرية للمؤلف والناشر على السواء، مع تردي مستوى الأداء في صياغة العبارات وتعريب المصطلحات، وحتى في أبسط قواعد الصرف والنحو العربية. بل إن مجال الدراسات البحثية والأكاديمية – ’الموضوعة‘ لا المترجمة - حافلٌ، على نحو خاص، بانتحال المعلومات والمواقف والأفكار، مع إنكار حق المؤلف الأصلي، وعدم الإقرار بأية مراجع محددة لما يورده واضع المؤلف العربي.

 ويتمثل هذا الجانب من الأزمة، في أجلى صوره، في نقل الدراسات الإنسانية والاجتماعية والعلمية المَعْْلَمية التي يُفترض فيها تعريف قادة الرأي والنخب التربوية والسياسية والاقتصادية، والأوساط الطلابية الجامعية العربية، بالإنتاج الفكري الجديد والمهم خارج العالم العربي، في المجالات الواقعة ضمن اهتمامات الأوساط العربية. كما يفترض في تلك المُتَرجَمات أن تستهدف، وفق خطة منهجية، الأعمال والمؤلفات الأجنبية المَعَْلَمية الجديدة أو ذات القيمة المتجددة، في مجالات الدراسات الإنسانية والعلمية، وفي العلوم الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والسياسية والثقافية والفنية كافة، وعن اللغات الأصلية قدر المستطاع، مع الحصول، حسب الأصول، على حقوق الترجمة والنشر  اللازمة.

 وماذا عن الوضع الحالي للترجمة من العربية وإليها، وكيف يمكن العمل على انجاز حقيقي في هذا المجال في قادم الأيام؟

 لا تفوتنا الإشارة إلى سلسلة من المبادرات العربية التي برزت خلال السنوات الأخيرة في ميدان الترجمة، على الصعيدين الوطني والقومي. فبالإضافة إلى مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم التي عقدت مؤتمر المعرفة الأول في أواخر تشرين الأول من العام المنصرم، فقد أعلن في وقت سابق عن جوائز زايد وخادم الحرمين ومؤسسة شومان للكتب المترجمة.  بيد أن الإنجازات التي حققتها بعض هذه الهيئات الرسمية أو الخاصة المتخصصة بالترجمة – التي أشرت إلى بعضها من قبل - خلال العقود القليلة المنصرمة، تظل في واقع الأمر شحيحة ومتواضعة إذا ما قورنت بالكم الهائل الذي تميز أكثره بالرداءة والغثاثة والتشتت، وغلبة الطابع التجاري وفقدان الدقة العلمية والأمانة الأخلاقية، وحتى القانونية. 

ومع الإقرار بالدور الحيوي للهيئات التي تتعاطى التعريب وما يتصل به من أنشطة، فإن الخروج من هذه الأزمة لا يكون إلا ببناء نموذج جديد وصارم وممأسس للترجمة في العالم العربي، يتجسد في إستراتيجية ذات أهداف واضحة، ومشروعات وبرامج دقيقة محكمة، وآجال وآليات إنجاز محددة، وتستفيد مما اعتور الإستراتيجيات السابقة من أخطاء أو فشل. ومن المؤكد أن مثل هذا النموذج المقترح لن يستهدف الدمج أو التوحيد بين الهيئات العربية القائمة، بل سيحاول تأطيرها والتنسيق بينها وتشبيك بعضها مع بعض، وربما الأهم من ذلك، تقديم الدعم لها قياسا على الإنجاز الفعلي الكفء المبرمج، وفق خطة واضحة من جانب هذه المؤسسات الراهنة أو المقبلة. 

 لنعد إلى تجربتك الشعرية ونتساءل عن سبب توقفها أو إجهاضها أم ترى أنها تحولت إلى مسارات أخرى منذ نحو ثلاثين سنة أو يزيد ؟

 كنت اعتبر من أوائل الشعراء المحدثين ليس على صعيد الأردن فحسب بل منذ نشرت في مجلة "الآداب" في الستينات ومجلة " شعر "، و" المعرفة " السورية. وكنت قد أصدرت ديوانا شعريا بعنوان " كلمات على الرمل " عام 1975، ولكنه احترق مع دار النشر في بيروت مع نشوب الحرب الأهلية.  أما الديوان الثاني "الحب مثلا.. وقصائد أخر"، فقد أصدرته فيما بعد، ويضم مختارات من شعري الذي كنت قد كتبته خلال فترة الستينيات وأوائل السبعينيات .

لا ادري بالضبط لماذا توقفت عن كتابة الشعر، ربما كان لنتائج حرب حزيران الكارثية اثر في ضياع الحلم لا بالمشروع القومي الكبير فحسب، بل بدور الشعر، وربما الأدب عموما في هذا السياق .

وقد اتجهت أنشطتي الفكرية والسياسية إلى العلوم الاجتماعية والتنمية البشرية التي اغتنت كثيرا بعملي كمستشار ومحرر لتقارير التنمية البشرية الأربعة التي أصدرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بين أعوام 2002-2006، والتي اعتقد أنها أثرت كثيرا في أوساط المهتمين، يضاف إلى ذلك عملي كمستشار ومحلل للشؤون الاقتصادية والسياسية في مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية .

 التقاه : يحيى القيسي

 *نشر الحوار في القدس العربي يوم 3-4-2008

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حوارات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك